تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
وقفة

﴿ءَادَمُ﴾... هل هو شخص أم جنس؟

Super Admin١٣ أغسطس ٢٠٢٦
﴿ءَادَمُ﴾... هل هو شخص أم جنس؟ تمهيد الوقفة يكاد يجمع عامة الناس على أن آدم هو اسم أول إنسان خلقه الله تعالى، وأن جميع الآيات التي ورد فيها هذا اللفظ تتحدث عن شخص واحد. لكن عند تدبر القرآن الكريم، وجمع الآيات المتعلقة بآدم، والرجوع إلى دلالات الكلمة في اللغة العربية، يبرز سؤال يستحق البحث: هل استعمل القرآن الكريم لفظ «آدم» دائمًا باعتباره اسمًا لشخص بعينه، أم أنه استعمله أحيانًا للدلالة على الجنس الإنساني الذي اصطفاه الله تعالى للتكليف والاستخلاف؟ وهذه الوقفة لا تهدف إلى معارضة المألوف، وإنما إلى إعادة قراءة الآيات في ضوء القرآن الكريم نفسه، والله تعالى أعلم. أولًا: ماذا يقول القرآن الكريم؟ ورد لفظ آدم في مواضع متعددة، من أشهرها: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا﴾. ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ﴾. ﴿يَـٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ﴾. ﴿قُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ مِنْهَا جَمِيعًا﴾. ﴿يَـٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ﴾. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمْرَٰنَ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ﴾. وعند التأمل نجد أن هذه الآيات لا تتحدث جميعها عن سياق واحد، بل عن الخلق، والتعليم، والاستخلاف، والابتلاء، والذرية، والتكليف، والاصطفاء. ثانيًا: ماذا تقول اللغة العربية؟ ذكرت المعاجم العربية عدة دلالات للجذر (أدم)، منها: الأُدْمَة: اللون المتوسط بين البياض والسواد. أديم الأرض: ظاهر الأرض. الأُدْمَة: الألفة والائتلاف وحسن المعاشرة. وهذه الدلالات تبين ثراء الكلمة في اللغة، لكنها لا تحدد وحدها مراد القرآن الكريم؛ لأن المرجع الأول في فهم القرآن الكريم هو القرآن الكريم نفسه. ثالثًا: تدبر الآيات عند جمع الآيات يظهر - والله تعالى أعلم - أن القرآن الكريم يستعمل لفظ آدم على مستويين: آدم بوصفه الجنس الإنساني: قال الله تعالى: ﴿يَـٰبَنِيٓ ءَادَمَ﴾، فالخطاب هنا ليس لفرد، وإنما للبشر جميعًا. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ﴾، والتعبير «ابني آدم» يدل على انتمائهما إلى جنس آدم، كما يقال: رجل آدمي، أي من جنس الإنسان. آدم ممثلًا لهذا الجنس: في قصة الخلق يخاطب الله تعالى آدم بصيغة المفرد: ﴿يَـٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ﴾، لكن بعد ذلك يتحول الخطاب إلى الجمع: ﴿قُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ مِنْهَا جَمِيعًا﴾. وهنا يبرز سؤال التدبر: إذا كان المخاطب شخصًا واحدًا، فلماذا جاء الأمر بالهبوط بصيغة الجمع؟ ويبدو - والله تعالى أعلم - أن الخطاب انتقل من ممثل الجنس إلى الجنس كله؛ لأن قصة آدم ليست قصة فرد، وإنما قصة الإنسان في بداية التكليف. رابعًا: آية الاصطفاء... مفتاح مهم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمْرَٰنَ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ﴾. وهذه الآية تستحق تدبرًا خاصًا؛ فالآية تتحدث عن الاصطفاء، وهو اختيار إلهي لحمل الهداية والرسالة. وقد ذكرت آدم، ونوحًا، وآل إبراهيم، وآل عمران. ونلاحظ أن الآية لم تقتصر على أفراد، بل ذكرت أيضًا آل إبراهيم وآل عمران، وهما جماعتان. ومن هنا يترجح لدينا - والله تعالى أعلم - أن المقصود بآدم في هذا السياق هو الجنس الإنساني الذي اصطفاه الله تعالى بعد أن سواه ونفخ فيه من روحه، فأصبح أهلًا للعقل والتكليف والاستخلاف، ثم جاء بعد ذلك اصطفاء نوح، وآل إبراهيم، وآل عمران في مسيرة الهداية. وهذا استنباط من مجموع الآيات، وليس نصًا صريحًا، والله تعالى أعلم.

مواد ذات صلة